ابن سبعين
60
رسائل ابن سبعين
والخامس : معدوم لم يوجد ويصح وجوده ويوجد قطعا ، مثل الحشر والنشر والقيامة والحساب والثواب والعقاب وما جرى مجرى ذلك . وهذا التقسيم الذي رسمته لك في أنواع المعدومات لا يصح أكثره عند الفلاسفة إلا بوجه ما ، ونظر آخر مفارق لهذا واسألني عنه مشافهة نخبرك عنه إن شاء اللّه تعالى . والإعدام ليس بمعنى ؛ ولذلك لا يصح أن يتعلق بالفاعل ، ولا يصح أن يقال القديم سبحانه خالق فيما يزال قبل خلق العالم ، ولا تارك له . وقالت المعتزلة : الإعدام معنى يخلقه اللّه لا في مكان فيفنى به العالم . وهذا غلط ، لأن الإعدام هو ألا يفعل الفاعل شيئا وذلك نفي لا يتضمن وجود معنى ، ولأن الإعدام لو كان معنى لكان يجب ثبوته مع اللّه في الأزل ، وذلك محال . وإذا استحال وجوده فيما لم يزل استحال وجوده فيما يزال . ولا يصح قول من قال إن الإعدام يتعلق بالفاعل ، لأن ما ليس بمعنى محدث لا يتعلق بالفاعل . وهذا العدم - أعزك اللّه - وأنواع المعدومات والإعدام قد رسمته لك ، وإن كان في بعض ذلك تجاوز ما ، ما حملني عليه إلا ضرورة الوقت فقس الكلام الأول بالثاني وفك معمّى المتقدم بالمتأخر وصرّفه تصريف المثاني وقل : المعلول الذي يعرض له شيئان مثل قولنا إن الزامر بالمزمار هو بعينه الذي يخيط إذا عرض أن كان الزامر بالمزمار خياطا يلحق بكلمة الهو هو العرضية ، وكذلك يقال في الشيئين اللذين يعرض أحدهما للآخر مثل الطبيب والإنسان ، فإن الإنسان عرض له الطبيب ، أعني أن الإنسان المطلق عرض له أن كان الإنسان الطبيب ، والإنسان الطبيب عرض أن كان الإنسان المطلق ، ولذلك ما نقول إن الإنسان المطلق هو بعينه الإنسان الطبيب ، وإن الإنسان الطبيب هو بعينه الإنسان المطلق ، وإن كان ذلك كذلك لأن الإنسانية والطبيبية وجدتا لشيء واحد بعينه وهو المشار إليه . فلما صدق على جالينوس أنه هو بعينه إنسان وإنسان طبيب ، صدق على الشبيه بذلك أن الإنسان المطلق هو الإنسان الطبيب ، وأن الإنسان الطبيب هو بعينه الإنسان المطلق ، ولذلك إذا دخل على هذا القول السور الكلي لم يصدق عليه أعني أن كل إنسان هو بعينه كل إنسان طبيب ، وكل إنسان طبيب هو بعينه إنسان ، لأن الهو هو بالعرض إنما يوجد أولا بالتحقيق للأمور الجزئيات ، ثم يصدق على الأمور الكلية من حيث تشبهها بالجزئيات ، أعني إذا أخذ المعنى الكلي كأنه مشار إليه . وأما الهو هو الذي هو بالذات فيقال على جميع ما يقال عليه الواحد ، فإن الأشياء التي عنصرها واحد إما بالعدد وإما بالصورة يقال فيها إنما هي ، وكذلك الأشياء التي هي